عن مخطط الفصل العنصري

هويدا الحارثي, منى فواز, أحمد غربية, منى حرب - 27.05.2021
عن مخطط الفصل العنصري
 إطلاق النسخة العربية من الموقع الإلكتروني لمختبر المدن في بيروت في أعقاب ذكرى النكبة والعدوان العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
تماشياً مع التزامنا بإنتاج دراسات مستنيرة عن التحضّر ومناصرة للسياسات الحضرية الداعمة للعدالة الاجتماعية والحيوية، نطلق النسخة العربية من موقعنا الإلكتروني في أعقاب الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة، حيث يستذكر الشعب الفلسطيني والعالم أجمع المجازر التي ارتكبت وما زالت ترتكب بحقهم منذ تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلية وحتى آخر عدوان غاشم شنته قواتها على قطاع غزة المحاصر منذ 13 عاماً، والذي استمر 11 يوماً مخلّفاً مئات الضحايا والدمار الهائل.

إن العنف الإسرائيلي ممنهج ومتواصل، بل ومدبّر أيضاً. لم نكن بحاجة لعدوان وحشي جديد كالعدوان الذي حظي بتغطية إعلامية مكثفة للهجوم العسكري المعلن في غزة الأسبوع الفائت ولا لرؤية المزيد من مشاهد الاستعمار الاستيطاني الدموي لنستذكر بأن نضال الشعب الفلسطيني للتحرر قضية عادلة. لم تتوقف الممارسات اليومية العنيفة ضد الفلسطينين، ومنها عمليات الطرد الإجباري وهدم المنازل والاعتقالات بالجملة واقتحام البيوت الآمنة وما يرافقها من تخطيط عسكري طويل الأمد يمعن في الفصل والتمييز وتعزيز الإبادة الممنهجة. هذا هو الواقع اليومي المعاش هناك بالرغم من الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي.

كوننا باحثون حضريون ومصممون ومخططون داعمون للقضايا الحضرية، فنحن ندرك تماماً أن لمهننا ضلوع بمشاريع الاستعمار الاستيطاني. إذ ثبت تورّط أسماء لامعة كثيرة على مرّ التاريخ وكذلك ممارسات التصميم النقدي (كغاردن سيتي والأحزمة الخضراء) بعمليات الاستيلاء على مدن فلسطينية وتجريدها من سكانها. وحتى يومنا هذا، ما زالت مبادئ التخطيط  تغفل مسائل الحقوق والملكية، ساترةً نوايا مشروع الاستعمار الاستيطاني بقناع التقنية.1 كما أن المخططين والمعماريين يستبيحون أدوات التخطيط والأنظمة الحضرية لتجريم حق الفلسطينيين بامتلاك السكن كما حصل بالأمس القريب في حي الشيخ جراح في القدس، إذ تعرّضت مئات العائلات لمضايقات مهندسي "الامتثال" الذين يسلبونهم حق الحلم بالحصول على رُخص.
أوضح الباحثون كيفية استخدام القوى الاستعمارية فن رسم الخرائط وأنظمة التخطيط الحضري والسياسات المتعلقة بالأراضي كأدوات للسيطرة على الشعوب والموارد الطبيعية، ما يؤدي إلى فصل المجتمعات الخاضعة لسيطرتها وعزلها2 والتي تبلغ حدة غير مسبوقة في فلسطين المحتلة اليوم. عمل جهاز الدولة الإسرائيلية على مدى 73 عاماً على وضع قوانين أقل ما يقال عنها أنها تعزز الفصل العنصري.3 وقد منحت هذه القوانين المواطنين الإسرائيليين اليهود مكانة عليا من حيث الحقوق المدنية وحقوق الإقامة ودخول الأراضي وحرية التنقل والبناء بالمقارنة مع الفلسطينيين. يتمثّل المشروع الصهيوني فضائياً في فلسطين بما يسميه الباحث الحضري الإسرائيلي أورن ييفتاشيل التهويد الممنهج للأرض على حساب  سكانها الأصليين. ينطوي هذا المشروع على تهجير الفلسطينين القسري بهدف إفساح المجال لبناء مستوطنات إسرائيلية غير قانونية ومنع ملايين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى بيوتهم ومصادرة أملاكهم وأراضيهم بحجة غيابهم (القسري) عنها.

تعتبر سياسات الأراضي وأنظمة النقسيم عناصر أساسية من مشروع الاستعمار الصهيوني. ترتكز على افتراضات قانونية مثل "قانون الغائبين" لتبرير الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وضمها إلى دولة الإحتلال، وقد أدّت هذه القوانين إلى المصادرة والسلب الممنهج للأراضي. كما تقوّض أنظمة التقسيم التنمية الحضرية والريفية في الأراضي الفلسطينية عمداً، ممكنةً الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي من التوسع والتوغل فيها بحريّة.4 كما تخضع العديد من القرى والبلدات الفلسطينية إلى قيود فضائية مثل المناطق الأمنية والمحميات الطبيعية والمنتزهات الوطنية وممرات البنى التحتية التي تحدّ من حركة السكان. فعلى سبيل المثال، بدأت إسرائيل منذ عام  52002 ببناء جدار يبلغ امتداده 700 كيلومتراً  لعزل ما يزيد عن 150,000 مقيم فلسطيني في القدس وإبعادهم عن المدينة.  وقد حرمت هذه السياسات القرى والبلدات المكتظة بالسكان من إمكانية التوسع وشجعت احتلال المناطق المبنية على أنقاض القرى الفلسطينية التي تعرّضت للدمار عام 1948. 6

 يسطر التاريخ مقاومة الشعوب للمخططات الاستيطانية وفلسطين ليست خارجة في نضالها عن هذا السياق. فقد تكون الدولة العبرية التي وضعت وطوّرت القوانين والأنظمة العنصرية من أجل إحكام سيطرتها العسكرية قد نثرت بذور دمارها بيدها. تحوّلت البيئات العدوانية من حدود وجدران وبوابات ونقاط تفتيش إلى مواقع مواجهة واعتصام ومطالبة باسترداد السيادة. فكلما ازداد الفصل والتفكّك والتفتيت كلما ازدادت المواجهة حدةً وإصراراً. وهذا ما شهدناه في الأسبوعين الماضيين من تحركات وتظاهرات موحّدة في فلسطين المحتلة بأكملها، على حدود الخط الأخضر ومدخل أم الفحم والخط الفاصل في القدس والجدار العازل ومشارف الأماكن المقدسة حتى نقاط التفتيش والطرقات المعزولة.

بدأ إرهاب آلة الحرب الإسرائيلية التي تهاجم الفلسطينيين بإقرار من الدولة بفقدان شرعيته مع ازدياد الوعي ووضوح الرؤية بانتهاكها السافر لحقوق الإنسان يوماً بعد يوم. نزل آلاف المحتجين حول العالم إلى الشوارع واحتشدوا للتنديد بالاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي. وقد أصدر المخططون والمعماريون بياناً داعماً لتحركاتهم يعربون فيه عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية. لا شك أن السلام لن يتحقق إلا بحلّ المخطط الاستعماري العسكري، فعلى المخططين الحضريين والمعماريين الانخراط بشكل أساسي لاستعادة دورهم التقدّمي والتأكيد على التزامهم المهني بمناصرة الدمج والعدالة الاجتماعية. وستظل هذه الغاية بالنسبة لمختبر المدن في بيروت عنصراً جوهرياً من مناصرتنا ودعوتنا البحوثية.

1 أنظر ييفتاشيل، أ Yiftachel, O. 2000. "Social Control, Urban Planning and Ethno-Class Relations: Mizrahi Jews in Israel’s ‘Development Towns’." International Journal of Urban and Regional Research, Vol. 24(2): 418-438. وأيضاً وايزمان، إ Weizman, E. 2007. "Hollow-Land: Israel’s Architecture of Occupation". London: Verso.

2 رايت، ج Wright, G. 1991. "The Politics of Design in French Colonial Urbanism". Chicago, IL, USA: University of Chicago Press.

3 فرسخ، ل Farsakh, L. 2005. "Independence, Cantons, or Bantustans: Whither the Palestinian State?"  The Middle East Journal, Volume 59, Number 2, Spring 2005, pp. 230-245, ومؤخراً هيومان رايتس ووتش "A Threshold Crossed". Human Rights Watch, 2021https://www.hrw.org/report/2021/04/27/threshold-crossed/israeli-authorities-and-crimes-apartheid-and-persecution


4
 أنظر وايزمان، إ Weizman, E. op. cit. 

5  هيومان رايتس ووتش "A Threshold Crossed". Human Rights Watch, 2021, https://www.hrw.org/report/2021/04/27/threshold-crossed/israeli-authorities-and-crimes-apartheid-and-persecution

6  مقدسي، س Makdisi, S. 2008. "Palestine Inside Out: An Everyday Occupation". W. W. Norton & Company.