الشباب في لبنان: صياغة السياسات والمواقف وأشكال التعبئة

منى حرب - 17.06.2021
الشباب في لبنان: صياغة السياسات والمواقف وأشكال التعبئة
يتم تصوّر السياسات العامة وصياغتها بحيث لا تشمل قراراتها الشباب وحياتهم بصورة فعّالة. 
بينما يعاني لبنان من أسوأ انهيار اقتصادي وماليّ في العالم ناجمٍ عن تراخي حكّامه المتعمّد عن تحمّل مسؤولياتهم1، علينا سرد الرواية من منظور الشباب اللبناني. تركّز هذه الدراسة على التوجهات المتنوعة وجهود التعبئة السياسية في العقد الماضي وتلقي الضوء على بعض الأسباب والتحديات الكامنة التي تمنع المنظّمات السياسية الشبابية من إحداث التغيير السياسي المطلوب - على الرغم من نجاح بعضها في إضفاء الطابع المؤسسي على أشكال عملها الجماعي وتحيُّن الفرص المناسبة للتحالفات التي كان آخرها في إنتفاضة تشرين الأول 2019 ما أحدث شروخاً في النظام السياسي.
تلخّص هذه الورقة عدة إسهامات نُشرت ضمن مشروع القوة للشباب وهو بحث مُوَّلَ من برنامج الإطار السابع للاتحاد الأوروبي. نشرَ المركز العربي واشنطن دي سي هذه الورقة في 17 حزيران 2021 وأعدنا نشرها بإذنٍ منها. 
انطلاقاً من البحث الذي أجري ضمن سياق مشروع القوة للشباب المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي، تتقصّى الدراسة وضع الشباب اللبناني من خلال ثلاثة مناظير.2 أولاً، تحليل صياغة السياسات والأطر التنظيمية في حياة الشباب التي تحدّد آراءهم عن العالم بالاستناد إلى تقارير السياسات والوثائق غير المنشورة. ثانياً، تقديم قراءة كمية لتوجهات الشباب تستند إلى نتائج استبيانات المشروع وذلك من خلال نهج التجميع الذي يقدم - عبر خمس مجموعات - لمحة عن خصائص الشباب المتعددة الأبعاد. ثالثاً، النظر في الأشكال المختلفة لتعبئة الشباب في الأحزاب السياسية الرئيسية والمنظمات غير الحكومية الاحترافية والمنظمات السياسية التقدمية، والتشديد على قدرات تلك الأخيرة وإمكاناتها الكامنة وما تحمله من تغيير في مستقبل لبنان السياسي، وتعتمد الدراسة في ذلك على الاستعراضات المكتبية والمقابلات الشخصية ومراقبة المشاركين. 

1- صياغة السياسات المتعلقة بالشباب

تعمل الدولة اللبنانية كنظامٍ سياسي ذي طابع طائفي تهيمن عليه الأحزاب السياسية الطائفية التي تتنافس وتتكامل في آنٍ واحد.3 ولم تنل كل المحاولات لكسر هذه الهيمنة (سواء من داخل أو خارج النظام) إلا مكاسب قليلة (كانتخابات البلديات عام  41998) وهي لا ترقى إلى تحدّي آلة النظام الطائفي المُحكمة البناء. وعلى نحو معاكس، تنتهي بعض محاولات التغيير إما بالاصطفاف مع النظام الذي يستميلها إليه أو بالمساهمة في ترسيخ هيمنته (كالحركة العمالية 5). كما يُعدّ قانون الانتخاب الذي يلعب دور قناة تغيير سياسية واجتماعية مجالاً إضافياً لإنهاء الإصلاحات؛ إذ ما زالت الانتخابات النيابية تعمل وفق منطق سياسي طائفي يسهّل إعادة إنتاج القوى نفسها وتدعيم مناطقها الطائفية. يستبعد قانون الانتخاب6 الشباب تحت سن الـ21 عن التصويت ويمنع الناخبين من التصويت في غير صناديق الاقتراع المخصصة لمحلّ ولادة عائلة الأب - وقد يكون بلدة أو قرية نائية هجرها الآباء منذ زمن بعيد. كما أن إجراءات تغيير مكان التسجيل ليست سهلة وغير مقبولة اجتماعياً ولا سياسياً، إذ من المفترض أن يحافظ المواطنون على ارتباطهم بهويتهم المناطقية بدافع الحفاظ ظاهرياً على الديموغرافيا التي يرتكز عليها نظام الكوتا السياسية الطائفية في لبنان - مع العلم بأن هذه الديموغرافيا بائدة اليوم كونها مبنية على مسح سكاني يعود إلى العام 1932. 7 

يصوغ المسؤولون في البلاد سرديتين عن الشباب اللبناني، إحداهما تحتفي بالشباب المهاجر الناجح من رجال مثقفين ونساء مثقفات ذوي وذوات مؤهلات عالية هاجروا بحثاً عن آفاق أرحب لطموحاتهم ورفع اسم بلادهم عالياً، ثم استثمار رؤوس أموالهم في بلدهم الأم، كُتب لهم ذلك.8 لا يتوقع من هؤلاء الشباب العودة ولا المشاركة في انتخاب ممثلين لبنانيين عنهم أثناء إقامتهم في بلاد الاغتراب، بل هم مجرّد أصول مفيدة يُهدف منها تسويق صورة اللبناني المحترف الناجح، رائد الأعمال أو الطبيب أو المهندس أو العالم أو الخبير. لذا، فإن هجرة الشباب ذوي المهارات العالية هي "ضمانة للاستقرار الاجتماعي السياسي" بحيث "تصدّر سخط [الشباب الذي قد يطمح إلى منافسة السياسيين الحاليين في حال بقائهم في الوطن] إلى الخارج". 9

أما السردية العامة الثانية فتَصِمُ الشباب غير المتعلم الذي لا يتمتع بمهارات كافية وتعتبره مجموعة ذات نزعة تخريبية يجب مراقبتها والتحكم بها. كما تعدّ القوى السياسية الطائفية هؤلاء الشباب هدفاً رئيسياً لها وتقدم لهم فرص العمل والخدمات الاجتماعية بحيث يجدون البدائل غير الطائفية غير مرضية من حيث الأجر والشروط والتدابير باعتبار أنها تهمّشهم وتضعفهم. ومن ناحية أخرى، يعيق الفساد والزبائنية، أو ما يسمى بالواسطة 10 فرص هؤلاء الشباب في الحصول على عمل، فيطلبون الهجرة طمعاً في العيش الكريم. إلا أن الخيارات المتوفرة لهم ليست بتنوع الخيارات المتوفرة لأقرانهم الأكثر تعليماً ومهارة ولا أكثر إرضاءً منها، مما يضطرهم للسفر إلى دول مجلس التعاون الخليجي أو أفريقيا - الوجهتين الرئيسيتين لللبنانيين المهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية - والعمل تحت ظروف عمل مضنية بغية تحويل الأموال لعائلاتهم. 11

يعاد إنتاج اللامساواة الاجتماعية الاقتصادية على المستوى الوطني بين الشباب. 12 ففي كلتا السرديتين، يُصنّف الشباب جنسانياً كنساء شابات عازبات، قد يتأخر زواجهن وقد لا يتزوجن أبداً - مما يثير قلقاً اجتماعياً - ورجال شباب عازبين، يشكّلون عالةً (نظراً لبطالتهم) وخطراً أمنياً (نظراً لميلهم إلى التطرّف) على المجتمع. وعليه، تسيطر فكرة إقصاء الشباب بشكل عمومي وتشريعي على فهم السياسة العامة للشباب اللبناني التي تركّز على قضايا البطالة والهجرة واختلال التوازن بين عدد الذكور والإناث.

كيف تتجسّد هذه النقاشات التي تصم الشباب وتحيّدهم عن السياسة؟ يتم تصوّر السياسات العامة وصياغتها بحيث لا تشمل قراراتها الشباب وحياتهم بصورة فعّالة. لا يشكل الشباب بالنسبة للمسؤولين أولوية يجب إشراكها في عملية إعادة البناء والإصلاح، فيتم تهميشها في وزارة ثانوية، هي وزارة الشباب والرياضة التي وضعت سياسة وطنية للشباب عام 2011. بعد قراءة نقدية لهذه السياسة نكتشف بأنها مجرد لائحة أمنيات لا أكثر، لا تعالج القضايا ولا تقدّم الحلول. وهكذا يتم اختزال قضايا الشباب في مخاوف اجتماعية وثقافية منفصلة عن السياسة ضمن سردية زائفة تقوم على فصل السياسة والنزاع عن المجتمع. علاوة على ذلك، تقصّد واضعو السياسة تمييع محتوى الوثيقة لتضم مصطلحات عامة جداً وذلك حفاظاً على إجماع مؤلفيها. وعلى الرغم من جهود كتابة مسودة "عملية مناصرة الشباب" وتأسيس "منتدى الشباب" الذي جمع 36 منظمة غير حكومية مختلفة لم يتبق من تلك الجهود سوى مجموعة صغيرة من المنظمات غير الحكومية و"الأجنحة الشبابية" للأحزاب السياسية، والتي سنناقشها في ما يلي. 13

تتفق القوى الطائفية الأساسية التي تمثّل النظام السياسي اللبناني على تفضيل رعاية شؤون الشباب ضمن بُنياتها الخاصة: أي الأحزاب والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية السياسية. 14 كما تعترف بأحقيّة العائلة والأقارب في إدارة حياة الشباب. فوفقاً لقوانين الأحوال الشخصية المرتبطة بالمؤسسات الدينية في لبنان، تلعب العائلة والهيئات الدينية دوراً هاماً في التنشئة الاجتماعية وتعبئة الشباب من خلال أعرافها وقيمها ومواقفها. يسلّط نزار صاغية الضوء على ثلاث مجموعات إقصائية للشباب ناشئة عن قوانين الأحوال الشخصية: أولاً، يؤطّر الشباب بشكل تام حسب انتمائهم الطائفي (وبالتالي يتم تعبئهم وفقاً لأسس طائفية). ثانياً، تحدّ القوانين بشكل كبير من قدرة الشباب - وخاصةً الشابات - على تنظيم حياتهم اليومية بحريّة. ثالثاً، يُقصى جميع الأفراد الذين لا يتناسبون مع الإطار "الطبيعي" للمجتمع الذكوري (أي من ينتمون إلى مجتمع الميم +LGBTQI والأطفال المولودين خارج نطاق الزواج وأبناء الأمهات اللبنانيات والآباء الأجانب ومن لا ينتمون إلى الطوائف الـ 18 المعروفة). 15

وبالإضافة إلى الهيئات الحكومية والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والتركيبات الأسرية، هناك جهات فاعلة أخرى حريصة على إدارة شؤون الشباب؛ ومنها القطاع الخاص والمتبرعين الدوليين الذين يركزون على "المشاكل" التي تواجه الشباب: البطالة والهجرة والتعليم والمشاركة السياسية. فالخيار المهني "الطبيعي" و"الصائب" للشباب، بالنسبة إلى القطاع الخاص، هو ريادة الأعمال التي تؤدي إلى نجاحهم كرأسماليين منافسين في السوق الاقتصادي. 16 أما بالنسبة إلى المتبرعين الدوليين، فعلى الشباب "الصالح" العمل مع منظمات غير حكومية إصلاحية. وهكذا تقوم كل جهة على طريقتها بتعزيز مجانسة وعدم تسييس الشباب من خلال "تحويل طاقاتهم السياسية من "الطائفية" إلى "البراغماتية" في حل المشاكل." 17

وبالتماشي مع ما سبق، تتحوّل صورة الشباب اللبناني إلى أشخاص غير سياسيين وسلبيين لا قيمة لآرائهم وحاجاتهم إلا إذا كانوا يساهمون في مبادرات حل المشاكل وبناء القدرات، ويتم تعبئتهم كمشاريع ريادية ناجحة لمحاضن الأعمال التجارية بصفتهم أفراد غير سياسيين وغير طائفيين. كما يُرحب بهجرتهم واستعراضهم لعبقرية الدماغ اللبناني الذي ينجح في بلاد المهجر ويستثمر في بلاده في الوقت عينه على مرأى من العالم.

وعليه، يُصوّر الشباب اللبناني من خلال منظور تقسيمي وسياسات تفتقر إلى فهم متكامل ودامج ومتقاطع التخصصات لحياتهم المعقدة والديناميكية والمتمايزة إلى أقصى حد. ومن المؤكد أن السياسات العامة تتجاهل الشباب تماماً أو تقوّض دوره كعنصر ناشط في التغيير في أفضل حال. تنأى النقاشات والأعمال السياسية عن ديناميكيات القضايا القانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والسياسة الحضرية المعقدة ولا تولي الأولوية لحاجات الشباب ورغباتهم. فمعظم الجهات الفاعلة، كما الخبراء والعلماء، يسلّعون "مشاكل الشباب" دون الأخذ بعين الاعتبار مدى تقاطعها مع شؤون السياسة الأوسع والأشمل (مثل الحقوق الشخصية والقوانين المدنية والتفرقة الجندرية والعنف المنزلي وحقوق الانتخاب والمواطنة وقانون العمل وحق السكن والنقل العام والمساحات العامة وقوانين البناء).

 في الحقيقة، لا تقرأ السياسات واقع الشباب بشكل علائقي ولا تربط بينه وبين الشبكات والخبرات الاجتماعية، فلا تفهم مرحلة الشباب كتجربة متنوعة جداً وشخصية تتداخل مع علاقات وأوجه عديدة أخرى لعدم المساواة. في المحصّلة، تحيّد السياسات والأعمال العامة المتعلقة بالشباب الشباب المثقف والماهر وتصم الأكثر ضعفاً وتدفع الباقين نحو نظام الأوليغارشية الطائفي.

2- قراءة الشباب من خلال المجموعات

إن تأطير الشباب كمجموعة متجانسة هو عمل تعميمي واختزالي يقوّض جوانبهم الذاتية الغنية والحيوية التي لا يمكن تقليصها واختزالها في عددٍ من المتغيّرات. في الواقع، تسلّط التصورات المتعلقة بالشباب الأهمية على بعض الأبعاد (كالجنس والطائفة، مثلاً) على حساب أخرى، دون الأخذ بعين الاعتبار تشابك الصفات التي تشكّل حياة الشاب المعقدة في مكانٍ وزمانٍ معيّنين. يجب إعادة تأطير الأبحاث الخاصة بالشباب من خلال الاستعانة بمنظور علائقي وتقاطعي يرى الشباب كمجموعة واسعة التنوّع ذات أفكار ومواقف وممارسات وخبرات تختلف باختلاف المتغيرات (كالطبقة الاجتماعية والجنسانية والنشاط الجنسي والدين والطائفة والمستوى التعليمي والمنطقة الجغرافية) وتتوافق مع المواقف السلطوية المتباينة، وخاصةً سلطة الراشدين.18 وبينما يفسح البحث النوعي المجال أمام تحليل دقيق وشامل ومتعدد الطبقات، لم يحقق البحث الكمّي النجاح نفسه في هذا الصدد، حيث يجسّد مواقف الشباب ضمن تصنيفات ترتبط بمتغيّرات لا تستوعب جوانبهم الذاتية المعقدة.تقترح هذه الدراسة، مستعينةً باستبيان القوة للشباب الذي أجري في لبنان في صيف عام  2015 والذي استجوب عينة من 1,000 شخص مقسّمة بالتساوي بين ذكور وإناث، قراءة نوعية للشباب في لبنان باستخدام أسلوب التجميع K-means المتعدّد الأبعاد والمتقاطع.19 استخدمت نتائج استبيان آراء الشباب عن أدوار النساء وحقوقهن ومواقفه من بعض القضايا  (كالدين والاستعداد للهجرة والمشاركة في العمل السياسي) وغيرها من الأسئلة عن الوضع الاجتماعي والمهنة والسن، استخدُمت لتحديد 5 مجموعات شبابية صُنّفت وفقاً للصفة المهيمنة في كل مجموعة (السن، الدين، المستوى العلمي، الهجرة). هذه المجموعات هي: أ) المهاجرون المحتملون، ب) الشباب العلماني، ج) الشباب المتخرج من المدرسة إلى سوق العمل، د) الطلاب المحافظون، هـ) الشباب الناضج. أما النقاش المتعلق باختلاف كل مجموعة عن الأخرى وتباين مواقف الشباب من السياسة وحقوق المرأة والتديّن فهو خارج نطاق البحث المطروح في هذه الورقة.20 يستعرض الجدولان الآتيان حصّة كل مجموعة وخصائصها (الجدول 1) ولمحة عن أفراد كل مجموعة وتوجهاتهم (الجدول 2).

 

الجدول 1: حصة كل مجموعة شبابية من المجموعات الخمس وخصائصها


المهاجرون المحتملونالشباب العلمانيالشباب المتخرج من المدرسة إلى سوق العملالطلاب المحافظونالشباب الناضجإجمالي العينة
حصة المجموعة الشبابية بأكملها18%24%8%16%34%100%
       
معدل السن21.321.721.420.426.923.2
طلاب70%69%0%100%1%46%
متزوجون1%2%27%0%68%26%
متدينون55%0%97%100%78%60%
مستعدون للهجرة100%0%14%0%9%23%
مشاركون في العمل السياسي32%12%17%22%12%18%
يوافقون على تمتع الرجال والنساء بحقوق متساوية عند الطلاق87%89%70%86%71%81%
المصدر: حرب وعطالله ودياب، 2020، المرجع المذكور

الجدول 2: لمحة عن المجموعات الشبابية الخمس وتوجهاتها

 

المهاجرون المحتملونالشباب العلمانيالشباب المتخرج من المدرسة إلى سوق العملالطلاب المحافظونالشباب الناضجإجمالي العينة
% ذكور81%54%40%35%37%49%
% سكان مدن71%66%57%80%76%72%
       
التركيبة الطائفية      
سنّة34%25%37%30%26%29%
شيعة16%10%38%41%37%27%
موارنة23%34%13%12%17%21%
أقليات مسيحية19%20%6%12%16%16%
أقليات مسلمة9%12%6%5%4%7%
       
المدخول الأسري      
منخفض11%9%14%9%11%10%
متوسط69%73%79%74%70%72%
مرتفع19%18%6%17%19%17%
       
التوجهات السياسية      
يؤمنون بأن العمل السياسي يحدث فرقاً76%67%57%73%67%69%
يتعاطفون مع الاحتجاجات الحالية50%35%38%48%34%40%
مهتمون بالسياسة32%26%22%29%33%29%
       
الآراء الدينية      
يوافقون على كون الآراء الشخصية شأن خاص يتوجب فصله عن الحياة العامة والسياسية88%95%81%88%90%90%
       
الحقوق الاجتماعية      
يوافقون على منح الرجال والنساء أجراً متساوياً لقاء العمل المتساوي86%95%84%93%86%89%
يوافقون على منح النساء والرجال حقوقاً متساوية في الميراث76%84%69%82%69%76%
 يوافقون على ضرورة منح النساء والرجال حقوقاً متساوية عند الطلاق87%89%70%86%71%81%
المصدر: حرب وعطالله ودياب، 2020، المرجع المذكور
يظهر نهج التجميع مدى تباين توجهات الشباب السياسية والاجتماعية والدينية بشكل ديناميكي عبر طائفة من المتغيرات بدلاً من اقتصارها على الجنسانية والمدخول والدين والمستوى التعليمي والمنطقة الجغرافية فحسب. كما يظهر ارتفاع مستوى التباين داخل المجموعات وفي ما بينها تنوّع وتجانس مواقف الشباب ومعتقداتهم وتقاطع متغيّرات الجنسانية والسن والمدخول والمستوى التعليمي والطائفة والمنطقة الجغرافية.

تنتج المجموعات الخمس المشتقة من التحليل ثلاث مجموعات من النتائج. أولاً، تقدّم تقنية التجميع أفكاراً وفهماً أفضل لمواقف الشباب السياسية والاجتماعية. وتظهر المجموعات أن للشباب صفات متعددة الأبعاد هي أكثر تعقيداً من التصنيفات المحددة لها، متحديةً بذلك الآراء الاختزالية التي تشيد بضرورة تمكين الشباب لكي يصبحوا "أصولاً"  ومصدراً "للأمل" بدلاً من "خصوم" للطبقة السياسية و"عالة" على المجتمع. أما أوضح النتائج فكانت عدم كون السن متغيّراً توضيحياً، ولكن المثير للاهتمام هو أننا وجدنا أربع نتائج تستحق المزيد من الاستكشاف. أولاً، حتى إذا تأكدنا من أن الدين هو عامل فاصل، فإن تأثيره على الحقوق الجنسانية يتأثر بالثقافة التي يتلقاها الفرد. ثانياً، لا يعني دعم التعبئة السياسية العمل السياسي بالضرورة. ثالثاً، إن الشباب الذين يدعمون العمل السياسي هم نفسهم الأكثر استعداداً للهجرة. رابعاً، ربع الشباب فقط يحملون فكراً غير طائفي وقد اتضح أنهم الأقل مشاركة في العمل السياسي. إضافةً إلى ما سبق، تتألف كل مجموعة من المجموعات الخمس من شباب من مختلف المستويات الجنسانية والطائفية والمادية والعلمية. بمعنى آخر، لا تتألف المجموعات من أفراد ينتمون إلى مجموعة اجتماعية اقتصادية واحدة أو فئة جنسانية واحدة أو ديانة واحدة - مما يزيد من تعقيد هذا المسح.

ثانياً، تلعب تقنية التجميع دوراً هاماً في صنع السياسات المستنيرة إذ يمكن استقاء السياسات ذات القيمة والتبٍعات البرامجية من النتائج المتعلقة بالهيئات الحكومية والمنظمات الدولية التي تعمل مع الشباب.  مثلاً، تلاقي البرامج التي تقارب الشباب عبر متغير السن الفشل المحتم، فعلى السياسات والبرامج أن تأخذ بعين الاعتبار التصنيفات السياسية والاجتماعية المتعددة الأبعاد للشباب، كتلك المحددة في المجموعات، لأنها تشمل اقتراحات أكثر استنارة ودقة تتناول المكوّنات بشكل فعال لكي تكون فعالة بدورها. مثلاً، قد تكون البرامج المشجِّعة للمبادارات غير الطائفية بالنسبة للشباب ذوي الآراء المحافظة أقل فعالية، والمشاريع التي تعلّم ريادة الأعمال للشباب الأكثر استعداداً للهجرة هدراً للموارد.

ثالثاً، يفتح تفكيك الشباب من خلال هذا المنظور المعقد المجال أمام فهم هوياتهم على نحو منهجي وتجريبي، ويمكّن إدخال المناهج التجريبية من اختبار تأثير معاملات معيّنة على استعداد الشباب لتغيير مواقفهم أو سلوكياتهم.

لذا تعتبر تقنية التجميع أداة مفيدة لوصف الخصائص التي تميّز الأفكار ذات الأبعاد المتعددة التي يتخذها الشباب عن السياسة والدين والمجتمع؛ وقد تستطيع هذه الخصائص شرح الأسباب الكامنة وراء صعوبة تجسيد العمل السياسي ودعمه. فقد ترتبط التعبئة السياسية وضعف التصويت بين الشباب في الانتخابات النيابية عام 2018 بالتقسيم الاقتصادي الاجتماعي والسياسي والتشتت (الذي أثبته وجود هذه المجموعات الخمس) - وهي عناصر لا تسهل التنظيم والائتلاف نحو العمل الجماعي المستدام وفقاً لمؤلفات الحركة الاجتماعية.21

3- التعبئة السياسية للشباب

على الرغم من البيئة القاتمة التي تحيط بالسياسات العامة والاقتصاد السياسي والتي تتحكم بحياتنا، إلا أن الشباب ما زال يحاول تأمين مستقبل واعد والانخراط في السياسة. وبناءً على مراجعة المؤلفات المتعلقة بالموضوع وعلى البحث النوعي، يمكننا القول بأن الشباب ينظمون أنفسهم سياسياً من خلال ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى هي تلك التي تتماشى مع الهوية الطائفية والتركيبات الاجتماعية المعيارية والمتباينة، والتي تختار الالتزام بالأحزاب السياسية الأساسية: هؤلاء هم "الملتزمون". أما المجموعة الثانية فتضم المنظمات غير الحكومية الملتزمة بقضايا معيّنة، وهي ليست غير طائفية بالضرورة لكنها تعرّف عن نفسها بأنها "بدائل" للحكام الفاسدين في السلطة: تلك هي "المنظمات غير الحكومية الاحترافية".22 أما المجموعة الثالثة فترفض أن تكون منظمات غير حكومية وتحاول اتباع تنظيم مؤسسي أكثر مرونة وتنظيم الحملات والائتلافات. تتميز هذه المجموعات بأنها أكثر تقدميّة وثورية في مطالبها الحقوقية وعملها الجماعي: هؤلاء هم "الناشطون التقدميون".

أ) الملتزمون

للقوى السياسية الطائفية في لبنان "أجنحة شبابية" وهي منظمات تستهدف الشباب وتهيّئهم اجتماعياً من خلال الرياضة والترفيه والفعاليات الثقافية ثم تعمل على تعبئتهم في نهاية المطاف للانضمام إلى تركيبتها الحزبية. هناك عشرة أحزاب سياسية طائفية أساسية في لبنان: حزب الله، حركة أمل، تيار المستقبل، حركة التجدد الديموقراطي، التيار الوطني الحر التابع لرئيس الجمهورية ميشال عون، حزب القوّات اللبنانية، تيار المردة، حزب الكتائب، الحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الطاشناق الأرمني. لكل من هذه الأحزاب مؤسسات تخدم الشباب، كما أن هناك ستّ مؤسسات تابعة للطبقة السياسية تعنى بالشباب تخدم جمهورها الشبابي الطائفي بطبيعته، مثل مؤسسة معوض ومؤسسة الحريري ومؤسسة الصفدي ومؤسسة مخزومي. 
يعتمد تقديم الخدمات للشباب، كالرياضة والكشافة والتدريب، على الموارد المالية للحزب وقدرته على الحصول على الخدمات العامة. يبرز بعض هذه الأحزاب أكثر من سواه من حيث شبكة الخدمات المهنية والشاملة، كحزب الله الذي يعمل بدأب منذ أربعين عاماً على تعبئة الشباب الشيعي. وبالنظر عن كثب إلى حزب الله، نجد أن لهذا الحزب أهمية لسببين: فمن جهة، تقدم استراتجياته التعبوية فكرة عن أسباب انجذاب الشباب للإسلام السياسي؛23 ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار الحزب "حزباً مثالياً" من حيث إشراكه للشباب في صفوفه منذ البداية وإبقائهم كرهائن لنظامه الخدماتي الزبائني.24

يدير حزب الله مؤسستين للشباب 25، إحداهما وحدة التعبئة التي تضمّ قسماً للشباب والرياضة يدير مجموعة من الأندية الشبابية والنشاطات الرياضية، بما فيها كشاف المهدي ونادي ناجح لكرة القدم هو نادي العهد ومخيمات صيفية للشباب ورحلات ميدانية ونشاطات ثقافية للشباب. كما يملك الحزب عدة ملاعب رياضية في جنوب بيروت والعديد من النوادي التي تضم أكثر من 100 فريق مدرّب في رياضات متنوعة (كرة الطاولة، كرة السلة، كرة اليد، الكاراتيه، الملاكمة، الجمباز). يشارك العديد من هذه الفرق في المباريات الوطنية التي تُعرض في المناسبات الدينية والاحتفالات الخاصة بيوم الأقصى ويوم الشهيد وعيد الأضحى. كما يعمل كشّاف المهدي وفقاً لبنية توظيف وتعبئة صارمة ونشاطات تتعلق بمدارس حزب الله ونشاطات تثقيفية. المؤسسة الثانية التي تعنى بحاجات الشباب هي منظمة غير حكومية ثقافية اسمها الجمعية اللبنانية للفنون التي تنظم نشاطات موسيقية ومسرحية وترفيهية للشباب بالإضافة إلى بناء المتاحف والمنتزهات (مثل متحف مليتا والخيام ومارون الراس).26 يفصل الصبيان عن البنات في كلتا المؤسستين وينشّئون اجتماعياً بشكل مختلف - حيث تُدرّس النشاطات الجسدية للذكور والنشاطات الفنية للإناث. تهدف وحدة التعبئة وجمعية الفنون اللبنانية إشراك الشباب في نشاطات رياضية وثقافية ذات معنى تفيد الجسد والعقل وتتمحور حول قيمة المقاومة.

تعمل الأحزاب الطائفية الباقية على توظيف الشباب وتعبئتهم في بنياتها إنمّا بفعالية أقل من حزب الله، وتتيح لهم عدة مجالات للتفاعل الاجتماعي والتنظيم الذي يسعى إلى استنساخ النظام السياسي نفسه وتعزيز ولائهم لزعيم الطائفة.

ب) المنظمات غير الحكومية الاحترافية

بناءً على تقرير استقصائي صدر عام 2015 عن عيّنة من المنظمات غير الحكومية في لبنان، هناك 8,311 منظمة غير حكومية مسجلة في وزارة الداخلية والبلديات؛ من بينها 1,094 ناشطة فقط.27 كما يشير التقرير إلى افتقار 41 بالمئة من هذه المنظمات لـ"أنظمة موارد بشرية منظمة"وافتقاد 60 بالمئة منها للموارد المالية وعمل 75 بالمئة منها بميزانية تقلّ عن 250,000 دولار أميركي.28 ساهمت اللوائح القانونية في ارتفاع عدد المنظمات غير الحكومية من خلال تسهيلات تقدّمها وزارة الداخلية والبلديات التي تصدر بعد ذلك رقماً للمنظمات غير الحكومية يشرّع وجودها.

أركّز هنا على المنظمات غير الحكومية التي تأسست إبّان اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وهي حقبة مفصلية دفعت البلاد نحو سلسلة من التوترات الأمنية والعنف والنزاعات التي اخترقتها لحظات من الحراك الشعبي (حرب اسرائيل عام 2006، أحداث 7 أيار 2008، وحرب سوريا عام 2011). وسط تلك الأحداث، وبفضل تمويل سخي من المتبرعين الغربيين الساعين لدعم الإصلاح والتغيير، تم تعبئة الشباب في العشرات من المنظمات غير الحكومية الجديدة التي أُسست بنيّة تعزيز المواطنة وبناء القدرات والحوار بين الطوائف والتلاحم الاجتماعي وحل النزاعات وضمان الحقوق الإنسانية، بالإضافة إلى التعليم والصحة والقضايا البيئية.

سمّيت هذه المنظمات بـ"المنظمات غير الحكومية البديلة"، حسب تعريف كلارك وزهار، وقد تركز نشاطها بعد ثورة الأرز في مدينة بيروت حيث اعتمدت في عملها بشكل رئيسي على المتطوعين. 29 استكشف الشباب من خلال هذه المنظمات وسائل التواصل الاجتماعي كآليات جديدة للتواصل متبعاً استراتيجيات جديدة للتعبئة ترتبط بورشات عمل ومعارض ومؤتمرات وبرامج تدريبية في الداخل والخارج. ولكن سرعان ما بدأت هذه المنظمات بمواجهة صعوبات في جمع التبرعات وتحديات لجذب المتطوعين والإبقاء عليهم، فأصبح عملها استجابياً لا استباقياً، واضطر بعضها إلى التوقف عن العمل. وللمفارقة، انصبّ التمويل الدولي واستراتيجيات المساعدات بأغلبيتها على المنظمات غير الحكومية والمؤسسات التابعة للطبقة السياسية،30 مما أدى إلى تعزيز النظام الطائفي الحالي ودعمه بدلاً من تغييره ما أدى إلى تسريح قطاع الرابطات التي أصبحت منطلقاً لطموحات منصبية ومطامع شخصية. استطاع الشباب من خلال المنظمات غير الحكومية البديلة الصامدة المشاركة في الصناعة التنافسية التي فرضت عليها الطبقة السياسية والمتبرعين أجندات تشاركية.31 وكما هو الحال مع المنظمات غير الحكومية في أماكن أخرى،32 إعتزل العمل الجماعي الشبابي السياسة مما أضعف الأمل بالتغيير السياسي والاجتماعي. توقف العديد من المنظمات غير الحكومية، حتى تلك التي كانت تعمل بحسن نية، عن مهامها التي كانت تتمحور حول تمكين المجتمعات التي تعمل معها واضطرت للخضوع لأجندات المتبرعين وشروطهم.33 ومن جهة أخرى، استمالت السياسة الطائفية والمصالح الخاصة المنظمات الأخرى.34 وكما يظهر صلوخ وآخرون، للحكام السياسيين الطائفيين مخزوناً لا ينضب من الاستراتيجيات التي تسمح باستنساخ الطائفية داخل المنظمات غير الحكومية.35

ج) الناشطون التقدميون

تردّدت أصداء الانتفاضات العربية عام 2011 في لبنان من خلال مظاهرات خجولة طالبت بإسقاط النظام الطائفي. في تلك المرحلة، توحّدت أشكال جديدة من العمل الجماعي. شملت التجارب الأولى للشباب المنتفض بعد حرب اسرائيل عام 2006 مساعدة المهجرين اللبنانيين والمشاركة في جهود إعادة الإعمار (مثل صامدون وفريق عمل إعادة الإعمار في الجامعة الأميركية في بيروت).36 وقد خلفت الحرب في سوريا أثراً كبيراً على البلاد مع تدفق اللاجئين بالمئات ثم بالآلاف ووصول عددهم إلى أكثر من مليون حتى تاريخه. دفعت أزمة اللاجئين الشباب والمنظمات غير الحكومية إلى التحرّك لتقديم الإغاثة والدعم. كما حصلت المنظمات غير الحكومية على التبرعات الدولية التي أعادت تحديد أجنداتها وموضعتها كشريكة شرعية لها.

وأحسن القادة السياسيون استغلال أزمة اللاجئين وتذرّعوا بها كحجة لتأجيل الانتخابات البرلمانية عام 2013 مما أشعل غضب الشارع فاندلعت المظاهرات التي سرعان ما أُخمدت بالقمع العنيف. في أيار عام 2014، ألغيت الانتخابات الرئاسية أيضاً ما فاقم الفراغ السياسي والغضب الشعبي على الحكام الفاسدين الذين لا يسعون إلا لخدمة مصالحهم الضيقة دون الالتفات لتلبية حاجة الناس إلى الخدمات الأساسية. فاندلعت موجة استياء عارمة عمّت ساحة الشهداء في آب 2015 كردة فعل على أزمة النفايات (التي لم تحلّ بعد بالمناسبة). جمعت مظاهرات #طلعت_ريحتكم العشرات من الإئتلافات الصغيرة والمنظمات غير الحكومية والناشطين المستقلين الذين رفعوا للمرة الأولى شعار "كلن يعني كلن"، وطالبوا بمحاسبة كافة القادة السياسيين دون استثناء. ولكن الشرطة قمعت الحراك وطاردت المتظاهرين وأرهبتهم وضربتهم واعتقلتهم واتهمت الشباب بزعزعة النظام الاجتماعي والأخلاقي وتهديد الأمن.

نجح الحراك في "تجديد مواضيع الاحتجاج المتكررة وإنعاش النشاطية بأشكالها القديمة"37؛ كما أبرز دور المجموعات غير المنظمة والحملات الناشطة كل حسب تخصّصها – ما أدى إلى ظهور حملة بيروت مدينتي عام 2016.38 للمجموعات الناشطة الجديدة خمس مزايا تميّزها عن المنظمات غير الحكومية العادية والاحترافية. أولاً، بنيتها غير المنظمة والمفتوحة والمرنة التي تسمح لها بمناقشة قضاياها بحرية ضمن مساحة آمنة للمناظرة والتجربة والمشاركة بأسلوب خلّاق،39 فهي تبتدع أفكارها وتجري بحوثها وتناقش آراءها بشكل جماعي وبهذه الطريقة تتوصل إلى أفكارها المتعلقة بالعمل الجماعي. ثانياً، ليس للناشطين التقدميين قائد معيّن ولا يسعون لأن يكون لهم قائد فهم يرفضون التسلسل الهرمي ويفضلون القيادة المشتركة الأفقية الشكل حيث تصنع القرارات بالمشاركة والتعاون وبعفوية في معظم الأحيان. 

ثالثاً، يرتكز عمل التقدميين على أبحاث وأعمال تراعي المنظور الجنساني 40 ويقضون وقتاً كافياً في فهم القضايا الاقتصادية الاجتماعية وإجراء العمل الميداني والبحث الأرشيفي واستشارة الخبراء والبحث عن القوانين ذات الصلة. رابعاً،  يعتمد الناشطون الجدد بشكل مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي  كوسائل للتواصل (الواتساب، الفيسبوك، الانستغرام) وإيصال أصواتهم ونشر أفكارهم وينشؤون المواقع الإلكترونية لبث شجونهم ونشر أعمالهم ويستخدمون التمويل الجماعي لجمع الأموال. خامساً، يستخدم الناشطون مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات والأدوات للعمل الجماعي: مجموعات الضغط (اللوبي) والتفاوض والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والاعتصامات والعمل المباشر والدعوى القضائية بالإضافة إلى الأداء والمعارض والمؤتمرات والتركيبات الفنية ومسابقات التصميم.

نظّم الناشطون التقدميون أنفسهم بشكل أفضل من أجل الانتخابات النيابية عام 2018 وشكلوا تحالفاً وطنياً لكنهم لم يحصلوا إلا على مقعد برلماني واحد ما أثار الشكوك حول قدرة مجموعات المعارضة غير المنظمة على تنظيم عملها والمساهمة الفعلية في التغيير السياسي. ثم جاءت انتفاضة تشرين الأول عام 2019  التي شرحت صدور آلاف المواطنين على اختلاف توزعهم الجغرافي وداعبت خيالهم بعد أن أطاحت بالحكومة دون إسقاط النظام الطائفي السياسي المتجذر الذي نجا، ولسخرية القدر، بسبب انتشار فيروس كوفيد-19. وبالفعل، لم تكن النشاطية والاعتصامات كافية لإرساء الديمقراطية التي تتطلب عملاً منظماً وإستراتيجيات غير قابلة للتفاوض، وهذا ما عجزت الحركات الاحتجاجية عن تقديمه.41 وكما يشير باشييلو وبيوبي في نقاشهما عن هذه النشاطيات الجديدة، "إن أفقيتها وطابعها المجزأ، كما يبدو بوضوح، يقوّضان فرصتها في خوض معارك طويلة الأمد وإنشاء تحالفات أكبر وتشكيل بديل سياسي قوي للنظام." 42

الخلاصة

تنظر الدراسة إلى موضوع الشباب في لبنان من خلال ثلاثة مناظير: صيغ السياسات وأطر العمل التي تنظم حياتهم، وقراءة كمية للشباب تستخدم نهج التجميع وتحليل لأشكال التعبئة السياسية المختلفة للشباب. كما تناقش بعض التحديات المعقدة التي تمنع الشباب الناشط في السياسة المعارضة من التنظيم وتحقيق النجاح السياسي المستدام والمرجوّ، على الرغم من تمكن بعض المجموعات من مأسسة النماذج الجديدة للعمل الجماعي التي ولّدت الانتفاضات وهدّدت النظام السياسي الطائفي. تسلّط الدراسة الضوء على صيغ السياسة وأطر العمل الإقصائية والتنفيرية التي تنظّم حياة الشباب وتحصر نظرتهم للعالم بالطائفية فقط. كما تظهر من خلال نهج التجميع كيفية تقسيم الشباب اجتماعياً وسياسياً إلى خمس مجموعات، مما يمنعهم من التحالف والتنظيم والائتلاف لتحقيق العمل الجماعي المستدام. بالإضافة إلى ذلك، ترسخ الأشكال الحالية للتعبئة السياسية السياسة الطائفية وتعيد انتاجها فلا تفسح المجال لتشكُّل التحالفات التقدمية.

بالتأكيد، يضطر الشباب في لبنان إما للالتزام بالسياسة الطائفية والتركيبات الاجتماعية المغايرة والمعيارية والأعراف الإيمانية أو الاندماج في المنظمات غير الحكومية الاحترافية والانخراط في منصات الناشطين التقدميين – التي تتمتع بقدرة أكبر على إحداث تغيير سياسي، مهما بلغت من الضعف. تواجه شبكات الناشطين ضراوة النظام السياسي الطائفي الذي يستشرس في الدفاع عما استحوذ عليه على مدى السنين وعن النظام التمثيلي الفاشل والسياق الجغرافي السياسي المشحون بالنزاعات والحروب والأزمات والكوارث اللامتناهية الذي رسّخ هيمنته. ولكن، وفي وسط هذه البيئة البالغة التقييد من الناحية التنظيمية يجب تحليل استمرار الصراع كتجارب تدرّبنا على مواجهة المراحل الصعبة القادمة من هذه المعركة الطويلة نحو العدالة الاجتماعية والتغيير السياسي.

1“Lebanon Sinking into One of the Most Severe Global Crises Episodes, amidst Deliberate Inaction”, البنك الدولي The World Bank، حزيران، 2021 ، https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2021/05/01/lebanon-sinking-into-one-of-the-most-severe-global-crises-episodes

2
تجمع هذه الورقة نتائج مقالين منشورين: الأول لمنى حرب وسامي عطالله ومحمد دياب “Using the Clustering Method for a Heterogeneous Reading of Lebanese Youth,” Mediterranean Politics, 26, no. 3 (2021): 370-392, doi: 10.1080/13629395.2020.1749812 ؛ و الثاني لمنى حرب  “New Forms of Youth Activism in Contested Cities: The Case of Beirut,” International Spectator, 53, no. 2, (2018): 74-93, doi: 10.1080/03932729.2018.1457268

3
منى حرب، Le Hezbollah à Beyrouth (1985-2005): de la banlieue à la ville" (Paris: Karthala, 2010)"

4 سامي عطالله، “Turning a Research Idea into a National Movement: How the LCPS’s Advocacy Initiative Led to Municipal Elections,” in Democracy Think Tanks in Action: Translating Research into Policy in Young and Emerging Democracies: 55-66 (Washington, DC: The International Forum for Democratic Studies at the National Endowment for Democracy, 2013), 55-66

5 ماري نويل أبي ياغي، وميريام كاتوس ومريم يونس، “From isqat an-nizam at-ta’ifi to the Garbage Crisis Movement: Political Identities and Antisectarian Movements,” in Lebanon Facing the Arab Uprisings, eds. Rosita Di Peri and Daniel Meier (London: Palgrave, 2017), 73-91

6 "قانون الانتخاب لعام 2018"، وزارة الاتصالات، الجمهورية اللبنانية، 4 نيسان، 2018، https://www.ministryinfo.gov.lb/en/22598

7“The 1932 Census and the Making of Today’s Lebanon,” Collective for Research and Training on Development – Action, January 15, 2013, https://crtda.org.lb/node/14464

8 يعدّ لبنان اليوم ضمن الدول العشرة الأولى في العالم من حيث التحويلات المالية التي تبلغ نسبة 20 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي مع ارتفاع عدد المغتربين اللبنانين إلى سبعة ملايين نسمة (أي ضعف عدد سكان الداخل)، أنظر شوغيغ كسبريان، "L’émigration des jeunes Libanais hautement qualifiés" (Beirut: Université Saint-Joseph, 2010)

9 فرانسواز دو بيلير، “Policy/Institutional Factors of Youth Exclusion/Inclusion: Youth Migration from and to Morocco, Tunisia, Egypt, Palestine, Lebanon, Turkey” محاضرة عرضت ضمن ورشة عمل القوة للشباب، 24 -25 شباط، 2015

10 جهاد مكحول وليندزي هاريسون، “Intercessory Wasta and Village Development in Lebanon” Arab Studies Quarterly 26, no. 3 (2004): 25-41, www.jstor.org/stable/41858489

11
بول طبر، “Lebanon, A Country of Emigration and Immigration,” Institute for Migration Studies 7 (2010), https://documents.aucegypt.edu/Docs/GAPP/Tabar080711.pdf
بينما تستقطب دول الخليج اليد العاملة الماهرة، تستقطب أفريقيا الشباب الذين يملكون مهارات أقل ومعظمهم من العاملين في قطاع التجارة، وعادةً السوق السوداء.

12 في تقرير عام 2014 لجدول مواعيد الثروة العالمية، يشير مصرف الاعتماد السويسري أن 0.3 بالمئة من الشعب اللبناني يملكون 50 بالمئة من ثروته. للمزيد من المعلومات، أنظر “0.3% of Lebanese Own 50% of Lebanon,” A Separate State of Mind, February 8, 2015, http://stateofmind13.com/2015/02/18/0-3-of-lebanese-own-50-of-lebanon/

13
منى حرب، “Assessing Youth Exclusion through Discourse and Policy Analysis: The Case of Lebanon,” POWER2YOUTH Working Paper no. 8, February 2016, 1-29 https://www.iai.it/sites/default/files/p2y_08.pdf

14 للمزيد من المعلومات عن النظام الخدماتي لدى الأحزاب السياسية، أنظر ميلاني كلير كاميت، “Partisan Activism and Access to Welfare in Lebanon,” Studies in Comparative International Development 46 (2011), 70-97. doi: 10.1007/s12116-010-9081-9

15 نزار صاغية، "Youth Participation in the Law" (Beirut: UNESCO, 2012)

16 حرب، “Assessing Youth Exclusion,” المرجع المذكور.

17 كارولين نايجل ولين ستايهيلي، “International Donors, NGOs, and the Geopolitics of Youth Citizenship in Contemporary Lebanon,” Geopolitics 20, no. 2 (2015): 223-47, doi: 10.1080/14650045.2014.922958

18 ليندا هيريرا وآصف بيات، "Being Young and Muslim: New Cultural Politics in the Global South and North" (New York: Oxford University Press, 2010), 7

19
يتم تحديد مراكز التجميع العشوائية الأولى باستخدام نهج التجميع K-means. تعيّن كل نقطة للمجموعة ذات المركز الأقرب باستخدام المسافة الإقليدية في الأبعاد السبعة المستخدمة هنا. ثم يتم تعيين مراكز المجموعة من جديد من خلال عدة تكرارات لخفض مجموع المسافات بين كل عملية مراقبة والمركز الأقرب. لذا يمثل المركز معدل الصفات للملاحظات في مجموعتها - الشباب في هذه الحالة. 

20 للنقاش الكامل عن هذه القضايا، أنظر حرب وعطالله ودياب، “Using the Clustering Method,” المرجع المذكور

21 والتر ج. نيكولز وجستوس يوترمارك، "Cities and Social Movements: Immigrant Rights Activism in the US, France, and the Netherlands, 1970-2015" (London: Wiley, 2016)

22 أستخدم مصطلح "احترافي" للإشارة إلى ضعف إمكانية المنظمات غير الحكومية من أجل تعزيز إرساء الديموقراطية بالنظر إلى طبيعة نشاطاتها المتمركزة حول المشاريع والقصيرة الأمد.أنظر إصلاح جاد، “The NGO-isation of Arab Women’s Movements,” IDS Bulletin, 35, no. 4 (October 2004): 34–42, doi: https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/j.1759-5436.2004.tb00153.x.
وعليه، تركز المنظمات غير الحكومية نهاية الأمر على نشاطات التمويل لتأمين أجور موظفيها وإعالة نفسها وعلى المشاريع المكتملة. بمعنى آخر، "يصبح الدفع للمحترفين هو العرف بينما يبدأ الناشطون والمتطوعون بالاختفاء بسبب التوجه نحو الإدارة بدلاً من العمل الفعلي في المنظمة." أنظر داليا متري، “From Public Space to Office Space: The Professionalization/NGOization of the Feminist Movement Associations in Lebanon and its Impact on Mobilization and Achieving Social Change,” Civil Society Review, 1 (2015): 87-96.
للمزيد من المعلومات، أنظر ماري نويل أبي ياغي، وليا يمّين وآمريشا جاغارناثسينغ، “Civil Society in Lebanon: The Implementation Trap,” Civil Society Knowledge Centre, January 1, 2019, doi: 10.28943/CSKC.002.70000

23 للمزيد عن تعبئة الشباب السني، بما فيها الانبهار المؤقت بأحمد الأسير، أنظر روبرت ج. رابيل، "Salafism in Lebanon: From Apoliticism to Transnational Jihadism." (Washington DC: Georgetown University Press, 2014)

24 يصح ذلك بالنسبة للأحزاب السياسية ذات الأيديولوجيات المتشددة على وجه الخصوص كحزبي الطاشناق والقوات اللبناني التي يمكن مقارنتها بحزب الله أكثر من سواها من ناحية إدارة المؤسسات المهنية المستقلة بموارد مالية أقل. بالنسبة للأحزاب السياسية الأخرى ذات الأيديولوجيات الأكثر مرونة، كحركة أمل وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب، فلديها إستراتيجيات تعبئة أقل تنظيماً واحترافية وأكثر زبائنية واستنزافاً للموارد العامة. هذا النقاش وما يليه يرتكزان على كتاب منى حرب السالف ذكره، "Le Hezbollah à Beyrouth (1985-2005)"

25
المرجع السابق.

26
منى حرب ولارا ديب، “Culture as History and Landscape: Hizballah’s Efforts to Shape an Islamic Milieu in Lebanon,” Arab Studies Journal, 19, no. 1 (Spring 2011): 12-45

27"Mapping Civil Society Organization in Lebanon", Beyond Reform and Development, 2015, (7-8,  https://eeas.europa.eu/archives/delegations/lebanon/documents/news/20150416_2_en.pdf

28 المرجع السابق، 13 و73

29 جانين أستريد كلارك وماري جويل زهار، “Critical Junctures and Missed Opportunities: The Case of Lebanon’s Cedar Revolution,” Ethnopolitics, 14, no. 1 (2014): 1-18, doi: 10.1080/17449057.2014.924659

30 المرجع السابق، 7.

31
ميسون سكرية وستيوارت تانوك، . "Youth Rising? The Politics of Youth in the Global Economy." (London: Routledge, 2015)؛ لمى مغنية، “Local Expertise and Global Packages of Aid: The Transformative Role of Volunteerism and Locally Engaged Expertise of Aid during the 2006 July War in Lebanon,” Civil Society Knowledge Centre, July 29, 2015, https://reliefweb.int/report/lebanon/local-expertise-and-global-packages-aid-transformative-role-volunteerism-and-locally

32 أوما كوثاري، “Introduction,” in A Radical History of Development Studies: Individuals, Institutions and Ideologies, ed. Uma Kothari (London: Zed Books, 2005)

33 نايجيل وستايهيلي، “International Donors, NGOs”  السالف ذكره

34 جانين ستريد كلارك وباسل صلوخ، , “Elite Strategies, Civil Society, and Sectarian Identities in Postwar Lebanon,” International Journal of Middle East Studies, 45, no. 4 (2013):7, doi: 10.1017/S0020743813000883

35 باسل صلوخ وآخرون، "The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon" (London: Pluto Press, 2015), 53, 58-9

36 للمزيد عن عمل صامدون، أنظر مغنية، “Local Expertise” السالف ذكره؛ عن دور فريق عمل إعادة الإعمار في الجامعة الأميركية في بيروت، أنظر هويدا الحارثي، محرّرة كتاب دروس في إعادة الإعمار: دراسات حالة من لبنان بعد حرب 2006، "Lessons in Post-War Reconstruction: Case Studies from Lebanon in the Aftermath of the 2006 War" (London: Routledge, 2010)

37 أبي ياغي وآخرون، “From isqat an-nizam at-ta’ifi” السالف ذكره، 78.

38 أنظر موقع بيروت مدينتي الإلكتروني www.beirutmadinati.com بالإضافة إلى صفحتهم على الفيسبوك وتويتر وإنستغرام. ضمّت لائحة بيروت مدينتي 12 امرأة و12 رجلاً لا ينتمون إلى أي مؤسسة سياسية - وهي سابقة في تاريخ لبنان السياسي - نافست اللائحة لائحة البيارتة التي رعاها سعد الحريري نجل رفيق الحريري وقادها جمال عيتاني المدير التنفيذي لشركة سوليدير، شركة العقارات ذات الطابع النيوليبرالي التي احتكرت إعادة إعمار وسط بيروت. جمعت اللائحة كل ممثلي الأحزاب السياسية الطائفية الذين تناسوا ضغائن الأمس واتحدوا كعادتهم. لم تربح لائحة بيروت مدينتي الانتخابات ولكنها حصلت على 32 بالمئة من الأصوات بينما حصلت لائحة البيارتة على 43 بالمئة وهي نتيجة فاقت توقعات الحملة. فلو كانت النظام الانتخابي نسبي، لفاز 10 مرشحين من لائحة بيروت مدينتي بمقاعد في مجلس بلدية بيروت.

39 وفقاً لمقابلات شخصية ومراقبة المشاركين مع الناشطين، تشرين الثاني 2015.

40 عن دور البحث والعمل في التغيير الاجتماعي، أنظر جيثرو بيتيت، “Learning to Do Action Research for Social Change,” International Journal of Communication, 4 (2010): 820-827 https://www.participatorymethods.org/sites/participatorymethods.org/files/Learning%20to%20do%20action%20research%20pettit892-3393-1-PB.pdf.

41 لاري دايموند، “Postscript: From Activism to Democracy,” in Taking to the Streets. The Transformation of Arab Activism تحرير لينا خطيب وإيلين لاست (Baltimore: John Hopkins University Press, 2014), 322-34

42 ماريا كريستينا باشييلو ودانييلا بيوبي، “Youth in the Southeast Mediterranean Region and the Need for a Political Economy Approach” ورقة عمل القوة للشباب no. 37, May 2017, 17, https://www.iai.it/en/pubblicazioni/youth-south-east-mediterranean-region-and-need-political-economy-approach